الشيخ محمد الصادقي

134

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الجنون ، أماذا من قصور دون تقصير ، فالفطرة بنفسها ليست حجة كاملة ما لم يساندها العقل فيستند إليها ، ثم الشرعة الإلهية تتبنى العقول كوسائط والفِطَر كأصول ، وهنالك تتم الحجة البالغة الإلهية . صحيح أن العقل الانساني حجة رسمية راسمة لتكاليف الشرعة ، حاسمة كل عاذرة أمام الشرعة ، ولكن الذي لا يعقل كما الانسان العاقل ، يكلَّف قدر تمييزه مهما لم يكن كتكليف العاقل ، فإذا كانت الدواب كلها تحشر لتطبيق الجزاء الوفاق : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ » ( 6 : 38 ) . فبأحرى الانسان سفيهاً أو مجنوناً أو قاصراً أن يكون مسؤولًا قدر تمييزه ، وكما « ان‌يداق العباد في الحساب يوم القيامة على قدر عقولهم » كذلك الدقة في الحساب للدواب وغير العقلاء من الانسان على قدر تمييزهم ! . ذلك « وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ » أنفسية كما نفصلها آفاقية « وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » إليها بادئين بآيات الفطرة ، حيث تتبنى الانسانية كأول خطوة . ذلك هو التجاوب المفهوم بين آيتي الفطرة والذرية ، فإذا كانت الثانية متشابهة فالأولى المشرقة بنسبتها تفسرها ، ونصدق فيها تفسير الروايات الملائمة لها ، ونكذب المخالفة لصراحة أو ظهور مستقر فيهما ، ونرد المشكوك إلى قائله دون رد ولا قبول . وذلك هو العهد الأول ، المعهود في الفطرة ، حيث يندِّد بهم اللَّه في نقضه : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » ( 36 : 60 ) فالعهد إليهم كلهم ليس الّا عهد الفطرة ، حيث المجانين والعائشين في الفترة والقُصِّر خارجون عن عهد الشرعة ، ثابتاً فيهم عهد الفطرة . كذلك « وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ » ( 7 : 102 ) . عهدٌ لزام الفطرة ، هو حزام صارمٌ لذوي الفطرة ، لا يُعذرون في اشراكهم بالله على أية حال ،